عبد الله بن أحمد النسفي
60
مدارك التنزيل وحقائق التأويل ( تفسير النسفي )
[ سورة البقرة ( 2 ) : آية 19 ] أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ فِيهِ ظُلُماتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ ( 19 ) 19 - أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ فِيهِ ظُلُماتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ ثنّى اللّه سبحانه وتعالى في شأنهم بتمثيل آخر لزيادة الكشف والإيضاح . وشبّه المنافقين « 1 » في التمثيل الأول بالمستوقد نارا وإظهاره الإيمان بالإضاءة وانقطاع انتفاعه بانطفاء النّار « 2 » ، وهنا شبه دين الإسلام بالصّيّب لأنّ القلوب تحيا به حياة الأرض بالمطر ، وما يتعلق به من شبه الكفار بالظلمات وما فيه من الوعد والوعيد بالرّعد والبرق ، وما يصيبهم من الأفزاع والبلايا من جهة أهل الإسلام بالصواعق . والمعنى أو كمثل ذوي صيب فحذف مثل لدلالة العطف عليه وذوي لدلالة يجعلون عليه . والمراد كمثل قوم أخذتهم السماء بهذه الصفة « 3 » فلقوا منها ما لقوا ، فهذا تشبيه أشياء بأشياء إلّا أنّه لم يصرح بذكر المشبهات كما صرح في قوله : وَما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَلَا الْمُسِيءُ « 4 » وقول امرئ القيس : كأنّ قلوب الطير رطبا ويابسا * لدى وكرها العنّاب والحشف البالي بل جاء به مطويا ذكره على سنن الاستعارة ، والصحيح أنّ التمثيلين من جملة التمثيلات المركبة دون المفرّقة لأنه « 5 » يتكلف لواحد واحد شيء يقدّر شبهه به . بيانه أنّ العرب تأخذ أشياء فرادى معزولا بعضها من بعض لم يأخذ هذا بحجزة ذاك فتشبهها بنظائرها كما فعل امرؤ القيس ، وتشبّه كيفية حاصلة من مجموع أشياء قد تضامّت وتلاصقت حتى عادت شيئا واحدا بأخرى مثلها ، كقوله تعالى : مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها « 6 » الآية ، فالمراد تشبيه حال اليهود في جهلها بما معها من التوراة بحال الحمار « 7 » بما يحمل من أسفار الحكمة ، وتساوي الحالتين عنده من حمل أسفار الحكمة وحمل ما سواها من الأوقار لا يشعر من ذلك إلا بما يمرّ بدفّيه من الكدّ والتعب وكقوله : وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ « 8 » فالمراد قلة بقاء زهرة الدنيا كقلة بقاء الخضر ، فهو تشبيه كيفية بكيفية ، فأمّا أن يراد
--> ( 1 ) في ( ز ) المنافق . ( 2 ) في ( ظ ) بالإضافة . . . وبالانتظار . ( 3 ) في ( ظ ) الصعقة . ( 4 ) غافر ، 40 / 58 . ( 5 ) في ( ظ ) و ( ز ) لا . ( 6 ) الجمعة ، 62 / 5 . ( 7 ) زاد في ( ظ ) و ( ز ) في جهله . ( 8 ) الكهف ، 18 / 45 .